أسرار الدبلجة اللبنانية: الانتاج والتوزيع والاستديوهات

 


أسرار الدبلجة اللبنانية: الانتاج والتوزيع والاستديوهات

حين نتحدث عن شركات الإنتاج اللبنانية والاستديوهات التي ساهمت بإنتاج مسلسلات الرسوم المتحركة منذ نهاية السبعينيات وحتى اواخر الثمانينيات، سنجد مجموعة من الأسماء، كثير منها اختفى في فترة التسعينيات

وللأسف أن تلك الفترة تحديداً كانت فترة مؤلمة وقاسية على لبنان واللبنانيين حيث انها كانت سنوات الحرب

ورغم ذلك اخرج لنا هؤلاء المبدعون اروع الأعمال عن طريق هذه الاستديوهات.


من ينسى الشارات التي كانت تبدأ بعبارة: شركة التلفزيون اللبنانية تقدم؟!

او عبارة: نقولا ابو سمح يقدم؟

أعد الترجمة واخرج الصوت باللغة العربية: الاتحاد الفني

تمت الدبلجة في استديوهات لبنان والمشرق - برمانا

او تم تسجيل الدوبلاج والمكساج في استديو بعلبك. ش. م. ل. بيروت - سن الفيل

تم التنفيذ في استديوهات P.V.C جل الديب

أما مؤسسة فيلملي فكانت حكاية أخرى


في هذا الموضوع سنتعرف عن كثب على هذه الشركات والأستديوهات واصحابها ودورهم في انتاج تلك الأعمال الخالدة. ويجدر الإشارة إلى اننا سنقصر حديثنا فقط على الشركات والاستديوهات العاملة في لبنان فقط وفي الفترة منذ اواخر السبعينيات وحتى اواخر الثمانينيات فقط

وبهذا لن نتحدث عن اي استديو او شركة خارج لبنان ولو شارك فيها بعض الفنانيين اللبنانيين كما لن نتحدث عن أي اعمال انتجت في فترة لاحقة.


دعونا نحلق


شركة التلفزيون اللبنانية

اسم ارتبط في اذهاننا بجرنديزر

حين يظهر إما على شاشة زرقاء أو على خلفية تظهر داخل مركز ابحاث الفضاء


بداية يجب ان ننتبه إلى نقطة مهمة

وهي ان الكثيرون يخلطون بين شركة التلفزيون اللبنانية وتلفزيون لبنان ويعتقدون انهما اسمين لذات الجهاز

وهذا غير صحيح


شركة التلفزيون اللبنانية هو فعلاً اسم المحطة التلفزيونية الاولى في لبنان، اسسها وسام عز الدين عام 1959م وهي محطة تجارية كانت تبث بقناتين عربية وفرنسية، واستمرت حتى عام 1977م حين تم دمج القنوات التلفزيونية العاملة في لبنان تحت مسمى "تلفزيون لبنان" بحيث تمتلك الحكومة اللبنانية نصف الاسهم والنصف الاخر لبقية المساهمين فيه.


إذن كيف شاهدنا اسم "شركة التلفزيون اللبنانية" في مسلسلات جرنديزر والجائزة الكبرى وتان تان وساندي بل أن كانت القناة قد دمجت وتغير اسمها؟


في الحقيقة أن "شركة التلفزيون اللبنانية" استمرت كشركة انتاج لصاحبها وسام عز الدين وهو المنتج الذي قام بانتاج مسلسل جرنديزر بالأضافة إلى المسلسلات الأخرى ومنها الجائزة الكبرى وساندي بل وتان تان واعمال اخرى.


بالاضافة إلى انتاجاتها الدرامية والبرامجية الأخرى التي كانت تغذي بها شاشة تلفزيون لبنان والشاشات العربية الأخرى.


وقد كان مسلسل جرنديزر هو باكورة انتاجات شركة التلفزيون اللبنانية في مجال دبلجة الرسوم المتحركة

إذ يبدو أن نجاح مسلسل سندباد قد كان محفزاً لأن يحاول بقية المنتجين خوض تجربة الدبلجة


وقد كان الأختيار موفقاً

مسلسل مغامرات الفضاء

ولكي يقوم المنتج وسام عز الدين بترجمة هذا العمل ودبلجتة إلى اللغة العربية استعان بواحد من أهم الاستديوهات الصوتية المجهزة وهو استديو الأتحاد الفني ليقوم بمهمة الترجمة واخراج الحوار


الاتحاد الفني هو استديو عريق تم تأسيسه من قبل مجموعة من الإذاعيين الفلسطينيين في الخمسينيات، بعد أن قدموا استقالة جماعية من إذاعة الشرق الأدنى احتجاجاً على مواقفها من القضايا العربية خلال حرب السويس عام 1956م

مؤسسيها غانم الدجاني وصبحي ابو لغد وعبد المجيد ابو لبن الذين يعتبرون جيل الرواد الذين ساهموا بفاعلية في تأسيس وتطوير الإذاعات العربية في المنطقة، خاصة في لبنان والسعودية والعراق ودول الخليج

وكانت لهم مساهمات في مجالات أخرى كالإخراج وضبط اللغة العربية

وقد ساهمت استوديوهات الاتحاد الفني في رفد الإذاعات العربية بالبرامج الإذاعية الدرامية والمنوعة


تم ترجمة جرنديزر واختيار الممثلين من قبل الاتحاد الفني وقام الإذاعي الكبير صبحي ابو لغد باخراج الحوار الى العربية


إلا أن عملية الدبلجة لا تقتصر فقط على الترجمة وتسجيل حوارات الممثلين

فهناك عمليات أخرى معقدة تبدأ مع نهاية التسجيل

وهي تتعلق بكيفية تركيب الصوت الذي تم تسجيلة اذاعياً على الصورة التي كانت منقولة على شريط سينمائي وكيفية دمج الصوت العربي مع المؤثرات الصوتية الأخرى والموسيقى معاً


في تلك الفترة كان هناك اسم واحد يملك الخبرة اللازمة للقيام بهذا العمل

انه وئام الصعيدي


يقول وئام صعيدي عن عمله في جرنديزر وعلاقته بالاتحاد الفني: كانت علاقتي مع وسام عز الدين وهو الذي جاء بي إلى جرنديزر


لكن للأسف وسام عز الدين ممثلاً بشركة التلفزيون اللبنانية لم تذكر اسم وئام الصعيدي بل كتبت في شاراتها

في جرنديزر والجائزة الكبرى وحتى تان تان "الاشراف الفني: شركة التلفزيون اللبنانية"

يبدو أنهم لم يكونو يحبذون ذكر الأسماء بل يعملون كموسسة او جهة

فالترجمة واخراج الصوت للاتحاد الفني دون ذكر صبحي ابو لغد كونه من مؤسسي الاتحاد الفني


والاشراف لشركة التلفزيون اللبنانية دون ذكر لوئام صعيدي ربما لكون العمل الذي يقوم به ليس اشرافاً بل جزء من العمل الذي تشرف عليه كلياً شركة التلفزيون اللبنانية ممثلة بوسام عز الدين

وهو عمل قام بنصفة الاتحاد الفني والنصف الآخر وئام صعيدي


ثم جاء مسلسل الجائزة الكبرى وسار بنفس النهج


اما مسلسل تان تان فتم دبلجتة في استديوهات بعلبك

ورغم ان المهمة كانت كلها لؤئام الصعيدي إلا ان اسمه لم يكتب بل كتب: الاشراف الفني شركة التلفزيون اللبنانية


العمل الاخير كان مسلسل ساندي بل

هذه المرة كان اسم وئام الصعيدي قد برز ليكون المشرف الفني في معظم الاعمال التي صارت تدبلج في لبنان

وكتب فعلاً كمشرف فني


وكان هذا اخر مسلسل رسوم متحركة تنتجه شركة التلفزيون اللبنانية


استديو بعلبك

تاريخ كبير من الفن

حيث يعتبر من اكبر الاستديوهات في لبنان والذي صورت فيه معظم الافلام السينمائية التي انتجت في لبنان بالأضافة إلى الاغاني وغيرها.


في هذا الاستديو بدأت رحلة الدوبلاج

وكانت البداية من سندباد ثم اعمال اخرى

تان تان, ريمي, زينة ونحول, ساسوكي, النسر الذهبي, جونكر, ساندي بل، سانشيرو، البطل خماسي، رانزي المدهشة، نينجا المغامر


جميع هذه الأعمال كانت تحت اشرف المبدع دائماً وئام صعيدي

عدا سندباد الذي كان باكورة الأعمال المدبلجة وكان من انتاج نقولا ابو سمح وشركة فيلملي

فكان نقولا ابو سمح هو المشرف الفني بينما كان يستعين بوئام صعيدي في كثير من المهام

ويبدو أنه وجد أن وئام صعيدي هو أهل لحمل المهمة فسلمة زمام الأمور في الأعمال اللاحقة كلها


وفريق وئام الصعيدي لايكتمل دون مهندس الصوت ميلاد حداد والمشرف على الهندسة الصوتية اسكندر شهوان والتليسينما شفيق نحاس


وفي اواخر الثمانينيات نفذ وئام الصعيدي في استديو بعلبك اخر مجموعة من الأعمال لصالح المنتج اللبناني شريف وحيد

وهي: سانشيرو، نينجا المغامر، رانزي، خماسي

وذلك لصالح شركة السينما الكويتية التي كانت في تلك الفترة تحت ادارة شركة بوخمسين التجارية وكان المنتج شريف وحيد وقتها يعمل في الشركة


نقولا ابو سمح و فيلميلي

فيلميلي هي مؤسسة انتاج اسستها مع شركاء لها السيدة ماري بدين وهي التي كانت مذيعة لامعة في تلفزيون لبنان

كان تأسيس المؤسسة بداية لانتاج برامج تعليمية وتنموية ثم انضم اليهم زوج السيدة ماري بدين

المخرج الكبير الراحل نقولا ابو سمح الذي كان من ابرز المخرجين في تلفزيون لبنان كما عمل في حقل الانتاج وبدأت رحلة الدوبلاج من خلال مسلسل سندباد وهو المسلسل الذي تم دبلجته في استديو بعلبك 

ثم اكمل ابو سمح وفيلميلي انتاج بقية اعمالهم (زينة، النسر الذهبي، ساسوكي، جونكر) في استديو بعلبك

ولاحقا انتقلو إلى استديو لبنان والمشرق الذي عملو فيه على برنامج ملاعب الصغار بالاضافة إلى دبلجة السنافر والشناكل تحت اشراف الراحل جبران بدين


وفي عام 1990 تم تاسيس استديوهات فيلميلي التي اصبحت عمليات الدوبلاج تتم فيها حيث تم دبلجة عدد كبير من المسلسلات المكسيكية واللاتينية بالاضافة إلى مسلسلات الرسوم المتحركة مثل فتيان السلاحف وريكو واوطة ودبلوش وابطال الجزيرة ووباي الابن وحكايات خشوب وشلة رغيد ورسوم تتحرك وبص شوف الرسم بيعمل ايه وغيرها الكثير وكانت غالبا تحت اشراف جبران بدين وجورج ابو سلبي

كما نفذت الاستديوهات بعض الاعمال لشركة ديزني الشرق الاوسط وكان اخر اعمالهم مغامرات النحلة زينة ثري دي عام 2012 قبل ان يصاب الاستاذ نقولا ابو سمح بالجلطة التي سبقت وفاته رحمة الله


تلفزيون لبنان والمشرق

وهي القناة التلفزيونية الثانية التي افتتحت في لبنان عام 1961م وكانت تنافس شركة التلفزيون اللبنانية حتى تم دمجهما معاً عام 1977م في قناة واحدة هي تلفزيون لبنان كما اسلفنا وانتهت بذلك قناة تلفزيون لبنان المشرق


إلا أن رجل الأعمال رامز رزق وهو من كبار المستثمرين في القناة انشاء بمشاركة نقولا أبو سمح وماري بدين شركة جديدة تضم استديو للانتاج في برمانا فسماها "استديو لبنان والمشرق" تيمنا بالقناة القديمة

وكان من ابرز انتاجاتها برنامج ملاعب الصغار وبيل وسبستيان, كما دبلج في هذه الاستديوهات مسلسل السنافر والشناكل وتيدي راكسبين وغيرها


خلود للانتاج الفني

في النصف الثاني من الثمانينيات أنشأ الفنان اللبناني عبد المجيد مجذوب شركة إنتاج اسماها خلود للانتاج الفني

هذه الشركة انتجت مجموعة من الأعمال الدرامية بالإضافة إلى الوثائقيات كما نفذت الدبلجة لصالح شركة ك. م للمنتج المعروف مفيد مرعي

من انتاجاتها المدبلجة:

تيدي راكسبين: تم دبلجته في استديوهات لبنان والمشرق تحت اشراف وئام الصعيدي

الفريد كواك: تم دبلجته في استديو P.V.C. لصاحبه فادي ابو جودة تحت اشراف المخرج سيمون عبود وهو مخرج سينمائي هاجر لاحقاً إلى لندن حيث عمل في قناة أم بي سي بداية انطلاقها ثم عمل في السينما البريطانية

شجاع وسكر: تم دبلجته في استديو هارون تحت اشراف جورج ابو سلبي, واستديو هارون هو استديو سينمائي كان له نشاط كبير بالنسبة للانتاج السينمائي قديماً

وادي الأمان: تم دبلجته في استديو P.V.C. أيضاً هذه المرة تحت اشراف الفنان عبد المجيد مجذوب بنفسه, مع ملاحظة أن الجزء الثاني من وادي الأمان تمت دبلجته عن طريق شركة مفيد مرعي دون الاستعانة بمنتج منتفذ للدوبلاج

بالأضافة إلى مسلسل سفينة المحبة وحكمة الأقزام والمسلسل العلمي النادر افكار نيرة وجميعها دبلجت في استديو P.V.C. تحت اشراف جورج ابو سلبي


ولابد من الأشارة أيضاً إلى مسلسل البدايات المضيئة وهو ايضاً من المسلسلات التي تم دبلجتها في استديو P.V.C. تحت اشراف المخرج فؤاد زنتوت


أين اصبحت هذه الأستديوهات اليوم؟

استديو الاتحاد الفني اصبح اليوم جزء من قناة الجديد اللبنانية

استديو بعلبك اصبح مكاناً مهملاً ومهدداً بالهدم لولا تدخل بعض الجهات الثقافية التي تحاول الحفاظ عليه وعلى محتوياته من الهدم والضياع

استديو لبنان والمشرق تحول الى مطعم ايطالي، وهو اليوم عقار مهجور

استديو هارون متوقف عن العمل الا من تنفيذ بعض اعمال الترجمة في اسفل الشاشة subtitling

استديو P.V.C. لصاحبه فادي ابو جودة تحول اليوم الى إذاعة الغد


وانتهت بذلك تلك الحقبة الجميلة

العصر الذهبي للدبلجة اللبنانية

1976 -1990


تعليقات